ثورة يوليو «ذروة» الحركة الوطنية.. وتجارب متعددة لتوثيق تاريخها
أجرى الحوار: منال نور الدين
يعتبر التوثيق التاريخي للأحداث الوطنية الكبرى أحد أهم أدوات الحفاظ على ذاكرة الأمة، وهو همزة الوصل الأساسية بين وقائع الماضي وإنجازات الحاضر، تمهيدًا لصناعة المستقبل باستخلاص الدلالات التاريخية. وثورة 23 يوليو 1952، من أكثر الإنجازات والأحداث التاريخية التي أسهمت في توجيه حاضر ومستقبل الأمة المصرية، والتي عمل الدكتور خلف عبدالعظيم الميري، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس والحائز على جائزة جامعة عين شمس التقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 2025 على توثيق وقائعها، وحول محورية فصول ثورة يوليو في تاريخ مصر، وجهود توثيق تاريخها، كان الحوار التالي معه:
كيف ترى ثورة يوليو 1952 في سياق تاريخ مصر الحديث والمعاصر؟
التاريخ هو ميراث إنساني وتراكم معرفي، وأنا لست من المقتنعين بالخصوصية في التاريخ، ومن خلال النقد والتحليل للظاهرة وباطنه، يصبح الماضي حيا متحركا ودرسًا للحاضر والمستقبل، ومن هنا لا يمكن القبول بفصل فترات تاريخية عن بعضها البعض. وثورة 23 يوليو تحديدًا كانت عبارة عن التراكم المعرفي للحركة الوطنية الذي وصل إلى قمته في تحقيق الأهداف التي كانت ملحة حتى هذا الحين كاملا دون أن تتحقق، وأهم هذه الأهداف كان الاستقلال التام عن الاحتلال البريطاني، واستعادة الحرية والكرامة الوطنية بعد الجلاء، ثم تتويج كل ذلك بالإرادة وحرية القرار الذي تم تباعًا بالعمل على تحقيق أهدافها الستة المعروفة، ومن هنا تعتبر ثورة يوليو 52 ذروة الحركة الوطنية المصرية.
كيف ترى تأثيرات الثورة اجتماعيًا وثقافيًا؟
في ذلك الوقت كانت مصر بحاجة إلى فكر خارج الصندوق، وكان في الفكر الثوري للضباط الأحرار سبيل لتحقيق ما لم يتحقق من قبل. إباننا بإحداث تغييرات جوهرية ليست في أنظمة الحكم فقط وإنما في سائر جوانب المجتمع المصري، فقد كانت الحياة الاجتماعية من أهم الجوانب التي اتجهت الثورة لتحسينها، وكان هناك تفاوت كبير في توزيع الثروة في المجتمع المصري، فهناك 6% من ثروة البلاد تتركز في أيدي مجتمع النصف في المائة. ثم جاءت الثورة لتطبق رؤية اقتصادية خاصة بإقامة العديد من المشروعات ونظام الإصلاح الزراعي وثقافيًا، كانت أفكار النخبة من الكتاب والمفكرين بمثابة الإلهام الثوري، ولعل سعة الاطلاع والثقافة التي تواترت لجمال عبدالناصر أسهمت في تكوينه هو والضباط الأحرار، وهو ما ساعد الثورة بعد ذلك على تطبيق أفكارها، ولذلك كانت الثورة سباقة في تأسيس وزارة للثقافة، باسم الإرشاد القومي في نوفمبر 1952، بعدها تم إنشاء المجلس الأعلى للفنون والآداب عام 1956، ثم تحول لاحقًا إلى وزارة الثقافة عام 1958، وتولاها الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم من تولوا وزارة الثقافة، مع إتاحة مصادر الثقافة بأسعار زهيدة، مع الزخم الذي أحدثته ثورة يوليو.
كيف يمكن كتابة تاريخها وتوثيقه؟
هناك لجان عامة يتم تشكيلها على مستوى رسمي للكتابة التاريخية، أذكر منها تلك اللجان التي تشكلت في عهد الملك فؤاد، لجلب الوثائق التاريخية الخاصة بمصر من الأرشيفات الأجنبية، وشرعت هذه اللجان في الكتابة وإن ركزت أساسًا على تاريخ مصر في عهد أسرة محمد علي. وقد تم تشكيل مثل هذه اللجان لكتابة تاريخ ثورة يوليو في عهد الرئيس محمد أنور السادات، وكانت برئاسة ثروت عكاشة، وكان من أعضائها الدكتور محمد حسني مبارك، ثم تشكلت لجنة علمية في عهد الرئيس حسني مبارك من بعض الشخصيات السياسية والعسكرية وأساتذة التاريخ، ولكن لم تتم أعمال كلتا اللجنتين في بلورة مؤلفات متكاملة للثورة.
وظلت الجهود العلمية قائمة في الجامعات ومراكز البحوث والجهات العلمية المتخصصة، إلى جانب التجربة المتفردة للمركز تاريخ الأهرام، برئاسة دكتور يونان لبيب رزق، ومن أحدث هذه المشروعات حاليًا «موسوعة مصر التاريخ والعمران» التي أصدرتها إدارة الشئون المعنوية بوزارة الدفاع.
لكن لكم تجربة مباشرة مع توثيق تاريخ متحف قيادة الثورة؟
في أبريل عام 2017 صدر القرار الرئاسي بضم متحف قيادة الثورة ضمن القصور الرئاسية، وكان المقر على حاله منذ نشأته الأولى عام 1951، وذلك بعدما كان من قرارات التسعينيات بضم مبنى مجلس قيادة الثورة إلى المركز القومي للفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة، وقد بدأ الاهتمام العلمي بهذا المبنى منذ زيارة الدكتور أحمد نوار له أثناء رئاسته لقطاع الفنون التشكيلية، حيث أسس لجنة علمية تاريخية للمتاحف القومية، وكانت برئاسة الدكتورة لطيفة سالم، وكنت عضوًا فيها، ثم تشكلت لجنة علمية أخرى عام 1999 برئاستي أيضًا، ولكنها مخصصة لهذا المتحف فقط، وتم وقتها طرح فكرة تطوير المتحف ليصبح ما هو عليه الآن من وجهة حضارية مشرفة.
ما هي الآليات العلمية في التوثيق لمتحف قيادة الثورة؟
قامت اللجنة العلمية بعملها على عدة مراحل، بدأت بتحديد الأماكن في المتحف بكل دقة، وفقًا للخريطة التاريخية المحققة توثيقيًا للمصادر التاريخية، وتحقيقًا للعرض المتحفي الدقيق، وبعدها تم تحديد أماكن وهيئات مكاتب قادة الثورة، وهم الرئيس محمد نجيب والرئيس جمال عبدالناصر، ومجموعة الضباط الأحرار، فضلًا عن قاعة محكمة الثورة وقاعات اجتماعات أو خدمات.
وكذلك تم التواصل مع بعض أسر مجلس قيادة الثورة والضباط الأحرار، وقد استضافت اللجنة على فترات كلًا من السيدة تحية عبدالناصر، وبعد كل مرة مع أحد أفراد أسر قادة الثورة، وأحد مصوري الفن وبعض من عاصروا أحداث الثورة، وتمت الاستعانة بهم في توثيق الأحداث التاريخية للمتحف.
وهذا يشكل حديث توثيق شفاهي للعصر الحديث للتاريخ، أما بالنسبة للمقتنيات التي تم توظيفها في العرض المتحفي، فكانت بعض المقتنيات الشخصية لأصحابها، مما ساعد المتحف في الحصول على معلومات توثيقية أكثر لكل ما يعرض من مقتنيات.
وقد تم تشكيل لجنة متخصصة من المتحف لجمع واستلام جميع المقتنيات التي تخص قادة الثورة، وبلغ عدد مقتنيات المتحف 1186 قطعة أثرية وإلكترونية أخرى، مع رئيسي سيارات سار الثورة، وكذلك مقتنيات محكمة الثورة وعدد من الصور والتماثيل ومجموعة من الخرائط العسكرية، وأوراق خاصة بأحداث الثورة وغيرها.
وماذا عن باقي مراحل التوثيق بالمتحف؟
المرحلة الثانية تتمثل في إعداد الأرشيف والمكتبة المعرفية، وهذا تطلب مجهودًا ضخمًا لتصاريح خاصة على مدار سنوات، لوثائق قومية وأرشيف عسكري وكتب ومؤسسة الأهرام الصحفية وغيرها من المصادر، لجمع ما يفيد في توثيق أحداث مصر التي شهدتها ثورة يوليو، لتدوين وتوثيق هذا المتحف وما كان شاهدًا عليه.
